أبي منصور الماتريدي

335

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الفصل الرابع تأثر الماتريدي بمن سبقوه إن الماتريدي تأثر بمن سبقه ، عامة ، وتأثر بالإمام أبي حنيفة النعمان خاصة ، حيث أخذ عنه الإطار العام لمذهبه في الكلام . لقد تأثر الماتريدي بالمنهج المتوازن بين العقل والنقل الذي سلكه أبو حنيفة ، فقد سلك ذلك المسلك الوسط الذي لم يسلكه - كما يقول الشيخ أبو زهرة - سوى أبي حنيفة ، وبلغ فيه الشأو والغاية « 1 » . وهذا المنهج الذي سار عليه الإمام أبو حنيفة ، وتبناه الماتريدي ، لا يقدح في سلفية كل منهما ، ولا يخرجهما عن دائرة أهل السنة ؛ لأن أبا حنيفة يعد أول من كون مدرسة كلامية لأهل السنة وحاربت المبتدعة ، وأظهرت الحق جليّا . يقول أبو اليسر البزدوي : « أبو حنيفة - رضي الله عنه - تعلم هذا العلم ، وكان يناظر المعتزلة وأهل البدع ، وكان يعلمه أصحابه في الابتداء ، وقد صنف فيه كتبا ، وقع بعضها إلينا ، وعامتها محاها وغسلها أهل البدع ، ومما وقع إلينا كتاب العالم والمتعلم ، وكتاب الفقه الأكبر ، وقد نص كتاب العالم والمتعلم أنه لا بأس بتعلم العلم » « 2 » . وهذا النص يكشف عن دور أبي حنيفة البارز ، كما يدل في الوقت نفسه على مجموعة من مؤلفاته التي أثرت في الماتريدي كما سنعرف فيما بعد . وهذه الكتب رد فيها على المعتزلة ، وبخاصة كتابه : الفقه الأكبر ، ونصر فيه قول أهل السنة في خلق الأفعال ، وفي الاستطاعة مع الفعل « 3 » . ولقد استفاد الماتريدي من هذه الكتب ، فقد تناول هذه الكتب والرسائل ، وتأثر بها تأثرا فكريّا واضحا ؛ حتى إنه ليمكن القول : إن منهج الماتريدي لا يخرج عن المنهج العام الذي وضعه أبو حنيفة في مؤلفاته ، هذا المنهج الذي يستخدم العقل ، لكنه العقل المقيد بالنص ، بحيث لا يخرج عنه ، ولا يتقدم عليه بحال ؛ لأن الله تعالى ركب العقول ووفقها للاستدلال . ومعلوم أن أبا حنيفة - رحمه الله - كون مدرسة فكرية ضمت أعظم العلماء وجهابذة

--> ( 1 ) ينظر : الشيخ أبو زهرة : أبو حنيفة ( ص 72 ، 73 ) . ( 2 ) أصول الدين ص ( 3 ) . ( 3 ) البغدادي : أصول الدين ص ( 312 ) .